علي الهجويري
314
كشف المحجوب
إن أعلى كلمة في التوحيد هي ما قاله أبو بكر رضي الله عنه : « سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته » وقد أخطأ كثيرون فيما عناه سيدنا أبو بكر من هذه الكلمات وظنوا أن العجز في نيل المعرفة هو عدم معرفة الله تعالى ، وهذا خطأ محض لأن العجز يشير إلى حالة موجودة لا إلى حالة معدومة ، مثل ذلك الإنسان الميت ليس غير مؤهل للحياة ، لكنه لا يكون حيا في حال موته ، والإنسان الأعمى ليس غير مؤهل للنظر لكنه لا يرى في حال عماه ، كذلك المقعد ليس عاجزا عن القيام في القعود ولكنه عاجز بالقعود كذلك فالعارف ليس غير مؤهل للمعرفة ما دامت المعرفة موجودة لأنه في هذه الحالة تشبه معرفة النظر العقلي فقول أبى بكر يمكن أن يتصل بمذهب أبى سهل الصعلوكى وأبى على الدقاق اللذين يثبتان أن المعرفة تنال في أول الأمر بالكسب حتى تكون في النهاية جبرية وصاحب المعرفة يصير مضطرا وغير قادر على تركها ، أو الاحتفاظ بها لنفسه . وبناء على قول سيدنا أبى بكر رضى اللّه عنه وأرضاه ، فالتوحيد هو حكم الله في قلوب عباده . قال الشبلي : « التوحيد حجاب الموحد عن جمال الأحدية » لأنه يقال أن التوحيد هو فعل العبد وفعل العبد لا يكون كشفا لجمال الله ، وفي حقيقة الكشف يكون الشيء الذي لا يوجب الكشف حجابا - الإنسان بكل أوصافه هو غير لأنه إذا كانت كل صفاته ربانية كان هو ربا وذلك يكون الموحد والتوحيد والواحد كل واحد منهما علة للآخر وهذا هو تثليث النصارى بعينه ، فإذا منعت الطالب لله أي صفة من فناء نفسه في التوحيد ، فهو محجوب بتلك الصفة ، وحالما يكون محجوبا فإنه ليس بموحد ، لأن كل ما خلا الله فهو باطل . هذا فقه لا إله إلا الله ، ومعروف في الحكايات أن إبراهيم الخواص حينما ذهب إلى الكوفة لزيارة الحسين بن منصور قال له : يا إبراهيم كيف تمضى أوقاتك ؟ قال : هيأت نفسي على التوكل قال : ضيعت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد ؟